✍️ إنّ ليلة القدر هي أعظم ليالي العام ، فقال عنها المولى ﷻ { لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ ٣ } (١) ، و عن أبي هريرة رضي الله عنه أنّه قال : أنّ رسول الله ﷺ قال : [ مَن قَامَ لَيْلَةَ القَدْرِ إيمَانًا واحْتِسَابًا، غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ، ومَن صَامَ رَمَضَانَ إيمَانًا واحْتِسَابًا غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ ] (٢).
✍️ و قد تدبّرنا سوياً عظيم قدرها بالتفصيل في شرح سورة القدر (٣) ، و نظراً لمبلغها من الأهمية فإنّ تحري و تعيين ليلة القدر كان محل للاجتهاد منذ عهد الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين.
✍️ و زعم الذين يحسدون المؤمنين على ما آتاهم الله ﷻ من فضله ، أنّ ليلة القدر رفعت و افتروا على الله ﷻ الكذب ، و هو الذي أنزل في كتابه الكريم : { تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ ٤ } (٤) ، و "تَنَزَّلُ" بصيغة المضارع للدلالة على الاستمرار ، فلا النزول ينقطع و لا الأمور تنتهي.
✍️ كاذب زعمهم و ليلة القدر باقية رغم أنوفهم إن شاء الله تعالى إلى يوم القيامة ، و على هذا إجماع الفقهاء (٥) ، إنّ ذلك من فضل الله ﷻ علينا و على النّاس و لكنّ أكثر النّاس لا يشكرون.
تحري ليلة القدر في الكتاب و السُّنّة
✍️و تحري ليلة القدر و تعيينها ؛ لم يكن أبداً عن التحري في أيّ شهر هي ، و إنّما الاجتهاد و التحري عن أي ليلة هي في شهر رمضان ، و هذا فارق كبير ، إذ ممّا لا شك فيه أنّ ليلة القدر هي ليلة من ليالي شهر رمضان المعظم ، و أيّ رأي خلاف ذلك هو رأي باطل و لا أصل له بكل تأكيد.
✍️ و يمكننا استنتاج ذلك من قوله ﷻ : { إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ١ } (٦) ، و قوله ﷻ : { شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ } (٧) ، فكلاهما تتحدث عن نزول القرآن الكريم على النبي ﷺ ، الأولى أنه أُنزل في ليلة القدر و الثانية أنه أُنزل في شهر رمضان ، ممّا يعني جزماً أنّ ليلة القدر إحدى ليالي شهر رمضان.
✍️ أمّا عن تحريها في السُّنّة الشريفة فقد يتوّهم البعض أنّ هناك تعارض بين الأحاديث النبوية في تحديدها ، و هذا غير صحيح و غير مقبول ، خاصة أننا نتكلم عن كلام الصادق المعصوم ؛ من لا ينطق عن الهوى ﷺ.
✍️ فإذا ما جمعت الأحاديث النبوية الشريفة الخاصة بهذه المسألة ، ستجد أنّ القول الأشمل و الأعم من أقوال النبي ﷺ أنّها في العشر الأواخر من شهر رمضان (٨) ، هذا الحديث ستجد أنّ كافة الأحاديث و الاجتهادات تندرج تحته.
✍️ ثمّ في روايات أخرى حصرها النبي ﷺ ، و عسى أنّ ذلك كان تخفيفاً على المسلمين ، فقال ﷺ أنها ليلة من الليالي الوترية للعشر الأواخر (٩) ، أي ليلة الحادي و الثالث و الخامس و السابع و التاسع من العشر الأواخر .
✍️ و في رواية حصرها ﷺ في السبع الأواخر (١٠) ، و في رواية قال ﷺ : "في تسعة تبقى و سبعة تبقى و خمسة تبقى" (١١) ، و في رواية حصرها ﷺ في الثالث و الخامس من العشر الأواخر (١٢) ، و في رواية قال ﷺ : " في تسع يمضين أو سبع يبقين " ، و من ذلك ذهب بعض العلماء إلى ترجيح الليلة الأولى و الليلة الأخيرة من العشر الوترية الأخيرة (١٣).
✍️ و أمّا عن تحديد ليلة بعينها ، فقد أشار النبي ﷺ في رواية أنها ليلة الثالث و العشرين (١٤) ، و في رواية أنها ليلة الرابع و العشرين (١٥) ، و في رواية أنها ليلة السابع والعشرين (١٦).
✍️ و ليلة السابع والعشرين أيضاً هو قول ابن عباس و وافقه عمر بن الخطاب (١٧) ، و هو أيضاً قول أبي بن كعب (١٨) ، و أبي هريرة (١٩) رضي الله عنهم أجمعين ، و هو المرجو أيضاً عند أهل العلم و الفقه ، فقال أبو بكر الوراق " إنّ الله تعالى قسّم ليالي هذا الشهر (شهر رمضان) على كلمات هذه السورة ، فلمّا بلغ السابعة والعشرين أشار إليها فقال : هي (٢٠).
✍️ و عدم تحديد النبي ﷺ لها كما ترى لا يدل إلا على أنها تتنقل بين الليالي العشر الأُخَر ، فلا يتصور أنّ جميع هذه الأحاديث كانت في نفس العام ، و هذا ما رجحه أهل العلم و الفقه (٢١) ، و ليس كما يزعم البعض و يتشكك أنّه لم يوحى إليه بها فلا يعرفها ، حاشا لله ، و لعلّه أريها ثمّ نُسيها (٢٢).
✍️ و في إخفائها حكمة و هو تحفيز المؤمنين على الاجتهاد في العبادة و تحريها في جميع الليالي العشرة الأخيرة ، لكن و كما ترى لا تعارض بين كل ما ذكرت لكم ، و أنّها جميعاً تندرج تحت قوله ﷺ أنّها ليلة من ليالي العشر الأواخر.
ليلة القدر التي كانت فيها بعثة النبي ﷺ
✍️ و كانت بعثته الشريفة يوم الاثنين (٢٣) الموافق لليلة القدر أي في العشر الأواخر من رمضان للعام الثالث عشر قبل الهجرة.
✍️ و يمكننا احتساب ليلة القدر التي كانت فيها بعثة رسول الله ﷺ بذات الطريقة التي إحتسبنا بها مولده ﷺ (٢٤) ، و ذلك بالاعتماد على تاريخ مؤكد كيوم خطبة الوداع ، و التي كانت يوم الجمعة الموافق التاسع من شهر ذي الحجة للسنة العاشرة من الهجرة.
✍️ و لمّا كانت بعثة النبي ﷺ قبل الهجرة بثلاثة عشر سنة ، و بالرجوع إلى شهر رمضان من ذلك العام ، ستجد أنّ يوم الاثنين جاء في يوم الثاني و العشرين و يوم التاسع و العشرين في العشر الأواخر من رمضان لهذا العام .
✍️ و بناءاً على ما أسلفت لكم من تدارسنا للأحاديث الشريفة ، فإنّ الأرجح أنّ بعثته الشريفة كانت في ليلة التاسع و العشرين لأنها ليلة وترية.
علامات ليلة القدر و أماراتها
✍️ و ما جاء في الأحاديث الصحيحة عن علامتها و أمارتها أن قمرها يكون في هيئة ما يسميه علماء الفلك بالتربيع ، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : " تَذَاكَرْنَا لَيْلَةَ القَدْرِ عِنْدَ رَسولِ اللهِ ﷺ ، فَقالَ: أَيُّكُمْ يَذْكُرُ حِينَ طَلَعَ القَمَرُ وَهو مِثْلُ شِقِّ جَفْنَةٍ؟ " (٢٥).
✍️ فشق أي نصف و الجفنة هي وعاء الطعام ، فيكون من مجموع الوصف أنه على صورة التربيع ، و يتكرر هذا الطور في الشهر القمري مرتين ، مرة تبدأ بعد أسبوع من ظهور هلال الشهر ، و تسمى التربيع الأول ، و مرة تبدأ بعد أسبوع من تمام البدر ، و تسمى التربيع الثاني.
✍️ و الطور المنشود فيه ليلة القدر هو طور التربيع الثاني ، أي في العشر الأواخر كما دلت الأحاديث النبوية الشريفة.
✍️ و من أماراتها أيضاً أنّ صبيحتها مطر و قطر ، فعن عبد الله بن أنيس رضي الله عنه أنّ رسول الله ﷺ قال: " أُرِيتُ لَيْلَةَ القَدْرِ، ثُمَّ أُنْسِيتُهَا، وَأَرَانِي صُبْحَهَا أَسْجُدُ في مَاءٍ وَطِينٍ " (٢٦) ، و لمّا سئل أبي بن كعب رضي الله عنه ؛ عن علامتها و أمارتها فقيل له : " بأَيِّ شَيءٍ تَقُولُ ذلكَ يا أَبَا المُنْذِرِ؟ قالَ: بالعَلَامَةِ -أَوْ بالآيَةِ- الَّتي أَخْبَرَنَا رَسولُ اللهِ ﷺ ؛ أنَّهَا تَطْلُعُ يَومَئذٍ لا شُعَاعَ لَهَا " (٢٧).
✍️ و لعلّ الأولى علامة لأهل الأقاليم أو المواسم الممطرة ، و لعلّ الثانية هي علامة لأهل الأقاليم أو المواسم الجافة ، فهذا ما وقع في قلبي و الله أعلى و أعلم.
🌿 سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت ، أستغفرك و أتوب إليك 🌿
------------------------------------------------------------
📖 المراجع :-
(٢) متفق عليه ، صحيح البخاري (١٩٠١) و صحيح مسلم (٧٦٠).
(٣) من أنوار الذكر الحكيم/ تفسير سورة القدر
(٤) آية ٤ - سورة القدر (٥) شرح صحيح مسلم للنووي (٥٧/٨)
(٦) آية ١ - سورة القدر (٧) آية ١٨٥ - سورة البقرة
(٨) متفق عليه ، صحيح البخاري (٢٠٢٠) ، صحيح مسلم (١١٦٩).
(٩) متفق عليه ، صحيح البخاري (٢٠١٧ ، ٢٠٣٦) ، صحيح مسلم (١١٦٧).
(١٠) صحيح البخاري (٢٠١٥ ، ٦٩٩١) ، و صحيح مسلم (١١٦٥) باختلاف يسير
(١١) صحيح البخاري (٢٠٢١) (١٢) جامع الحديث و السُنّة (٣٠٠٠٠١/٠٠٠٤٠)
(١٣) صحيح البخاري (٢٠٢٢) (١٤) صحيح مسلم (١١٦٨)
(١٥) رواه أحمد (٢٧٦٥) وقال الزين في المسند (١٧/١٦٣) : إسناده صحيح ، و رواه الطبراني في الكبير (١/١٣٦٠) ، و حسّنه الهيثمي (٣/١٧٦)
(١٦) المسند للإمام أحمد (٤٨٠٨) ، و صححه الرباعي في فتح الغفار (٩٣٤/٢) , و مسند الطيالسي (٢٠٠٠)
(١٧) المستدرك على الصحيحين للحاكم (٦٢٩٧)
(١٨) صحيح مسلم (٧٦٢) (١٩) صحيح مسلم (١١٧٠)
(٢٠) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (١٢١/٢٠)
(٢١) هو مذهب المالكية - انظر القوانين الفقية لابن جزي (ص٨٥) ، و مذهب الشافعية انظر - المجموع للنووي (٤٥٠/٦) ، و مذهب الحنابلة - انظر الإنصاف المرادي (٣٥٤/٣) ، و قول جمهور من العلماء - انظر مجموع الفتاوى لابن تيمية (٢٨٤/٢٥) ، فتح الباري لابن حجر (٢٦٦/٤) ، شرح صحيح مسلم للنووي (٤٣/٦) ، فتاوي و مقالات الشيخ ابن باز (٤٢٥/١٥) ، مجموع فتاوى و رسائل العُثيمين ( ٣٤٦ ، ٣٤٧ / ٢٠).
(٢٢) صحيح البخاري (٢٠٣٦) ، و صحيح مسلم (١١٦٧) باختلاف يسير
(٢٣) صحيح مسلم (١١٦٢)
(٢٤) مدونة السيرة النبوية للشيخ أبو صلاح/ الشمائل و السيرة / مولد النبي ﷺ
(٢٥) صحيح مسلم (١١٧٠) (٢٦) صحيح مسلم (١١٦٨) (٢٧) صحيح مسلم (٧٦٢)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق