✍️ عرفت الحضارات القديمة مفهوم التكرار التاريخي ، و عبّروا عنه كل بحسب رؤيته و مفهومه و طريقته ، فنجد مثلاً في الصين عُرف التكرار التاريخي بمصطلح وصاية السماء ، و عبّر عنه العرب بالمثل الشهير " لا جديد تحت الشمس ".
✍️و هكذا إلى أن وضعت أول نظرية عن تلك الظاهرة في العصر الهلنيستي ، تحت مسمى التكرار التاريخي على يد الفرنسي بوليبيوس و اليوناني ديونيسوس الهاليكارناسوسي ، و على مدار العصور دار الجدل حولها ، و اختلف الفلاسفة و العلماء حول صحتها ، إلا أنّها أثبتت الجدارة دائماً ، إذ أنّ مجريات الأمور كانت تؤيدها و تثبت صحتها.
✍️ و لو أنّك دققت النظر و تأملت الذكر الحكيم لتجدنّ آياته تشير إلى ذلك ، فنجد أحداث بعينها أشار المولى ﷻ إلى تكررها ، سواء أكانت هذه الأحداث كونية ؛ كما في قوله ﷻ : { يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ ۚ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ ۚ وَعْدًا عَلَيْنَا ۚ إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ }. (١)
✍️ أو تاريخية ؛ كما في قوله ﷻ : { وَقَضَيْنَا إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا ٤ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ ۚ وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولًا ٥ ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا ٦ إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ ۖ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا ۚ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا ٧ } (٢)
✍️ و كذلك نرى هذا التكرار في الأحداث الرئيسية في قصص الأنبياء عليهم السلام أجمعين ، فبادئ الأمر تجد قوم ما يشركون مع الله العظيم آلهة أخرى ، ثمّ يستبيحون إحدي الفواحش ، فيعتنقوها و يسنّوها و يورثوها لمن بعدهم ، حتى يعمّ فسادهم الأرض .
✍️ في ذلك الحين يبعث الله ﷻ فيهم نذيراً ؛ رحمةً منه ، قبل أن يأخذهم بعذاب أليم ، قال المولى ﷻ : { وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا } (٣) ، و قال ﷻ : { وَمَا أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنذِرُونَ ٢٠٨ ذِكْرَىٰ وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ } (٤) ، هذا النذير أو الرسول يأمرهم بالمعروف و ينهاهم عن المنكر.
✍️ و للأسف تكون النتيجة دائماً أنّه يؤمن له القليل و يعرض عنه الكثير ، و يعارض الذين كفروا الرسل و يجادلوهم بالأباطيل و الحجج الواهية ، وعنهم قال المولى ﷻ : { وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ ۗ كَذَٰلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّثْلَ قَوْلِهِمْ ۘ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ ۗ قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ } (٥) ، و قال ﷻ : { مَّا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ ۚ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ }. (٦)
✍️ فإذا ما خابت مساعيهم إضطهدوا القلة المستضعفة من المؤمنين ، و يبقى الحال هكذا إلى أن يأتي نصر الله ﷻ ، فينجي المؤمنين برحمة منه و فضلاً ، و يهلك الظالمين ، قال المولى ﷻ: { فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ } (٧) ، و قال ﷻ: { وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ }. (٨)
✍️ و من ذلك فإنّ التكرار التاريخي سُنّة من سنن الله ﷻ في خلقه و قدره و تدبيره لشؤونهم ، فقال المولى ﷻ : { سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَا ۖ وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا } (٩) ، و قال ﷻ : { فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا ۖ سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ ۖ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ }. (١٠)
✍️ و كذلك أشار النبي ﷺ إلى هذه الظاهرة حيث قال : [ لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَن قَبْلَكُمْ شِبْرًا بشِبْرٍ، وَذِرَاعًا بذِرَاعٍ، حتَّى لو سَلَكُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَسَلَكْتُمُوهُ، قُلْنَا: يا رَسُولَ اللَّهِ، اليَهُودَ وَالنَّصَارَى؟ قالَ: فَمَنْ؟ ] (١١) ، و بعدما بينت لكم الأدلة على صحة و ثبوت هذه الظاهرة ؛ أي ظاهرة التكرار التاريخي ، يراودني سؤالاً ؛ ماذا لو طبقنا هذه الظاهرة على الفتن المنتظر وقوعها !!
✍️ لست من أنصار الترهيب أو التنفير ، لكن في الواقع إنّ تطبيق هذه الظاهرة على الفتن ستكون نتيجته كارثية ، بكل ما تحمل هذه الكلمة من معنى ، بل هو سبب أدعى توصف لأجله بالفتن ، إذ أنّ تشابه الأمور في حد ذاته فتنه ، فمثلاً نبأنا النبي ﷺ بالملحمة الكبرى و بفتح القسطنطينية آخر الزمان .
ملحمة هرمجدون و الحملات الصليبية
✍️ من أشد ما قد يشتبه على الناس من نبوءات رسول الله ﷺ ؛ الملحمة الكبرى ، أو هرمجدون كما يسميها أهل الكتاب ، و بين الحملات الصليبية التي شنّها الروم علينا.
✍️ و ما حكاه النبي ﷺ عن هذه الملحمة يختلف كثيراً عن الحملات التي شنها الصليبيون على بلاد الإسلام ، فالحملات الصليبية لم يسبقها هدنة و تحالف بين المسلمين و الروم ، و لم يتحدا ضد عدو لهما ، بل على نقيض من ذلك فإنّ الصليبيون تحالفوا مع المغول ضد المسلمين ، رغم أنّ جيوش المغول كانت تشكل خطر كبير عليهم بالمثل .
✍️ و كذلك في صفة الملحمة الكبرى يتجمع الروم تحت ثمانين راية ، و هذا لم يقع في الحملات الصليبية ، إذ لم تبلغ ألويتهم حتى عشرين راية ، و ذلك على أقصى تقدير .
فتح القسطنطينية
ماذا لو اختلط علينا الأمر !!
📖 المراجع :-
(١) آية ١٠٤ - سورة الأنبياء (٢) الآيات من ٤ : ٧ - سورة الأسراء
(٣) آية ١٥ - سورة الأسراء (٤) آية ٢٠٨ ، ٢٠٩ - سورة الشعراء
(٥) آية ١١٨ - سورة البقرة (٦) آية ٤٣ - سورة فصلت
(٧) آية ١٨ - سورة فصلت (٨) آية ١٦٥ - سورة الأعراف
(٩) آية ٧٧ - سورة الإسراء (١٠) آية ٨٥ - سورة غافر
(١١) صحيح البخاري (٣٤٥٦ ، ٧٣١٩) - صحيح مسلم (٢٦٦٩)
(١٢) جامع الحديث و السُنّة (٣٣٠٠٠١/٠٠٠٤٨)
(١٣) صحيح البخاري (٣١٦٧)
(١٤) صحيح مسلم (٢٨٩٧ ، ٢٨٩٩، ٢٩٢٠) - إرشاد الفقيه لابن كثير (٢٠٤/٢) ، و قال : إسناده شامي قوي.
(١٥) جامع الحديث و السُنّة (٣٢٠٠٠١/٠٠٠٤٧)
%20(31).jpeg)
%20(30).jpeg)



ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق