كثيراً كنت أتساءل ...
لماذا يدفع «الخواجة» ألوفٌ مؤلفة من الأوراق الخضراء ؛ معرضاً ماله و حياته للخطر ، من أجل شراء ورقة بردي أو تمثال فرعوني أحياناً لا يتعدى طوله ربع متر !!!
و كنت قد طرحت تساؤلي هذا على عدة أفراد من فئات مختلفة ، فاستمعت لإجابات و تحليلات إختلفت بإختلاف مستواهم الفكري و التعليمي.
منهم من ذهب لتبرير هذا بدراسة حضارة الفراعنة و أسرارها و التى تتجلى عظمتها في الأبنية المعجزة و النحت المتقن بأدوات أقرب للوصف بـ« البدائية» إلى جانب أسرار التحنيط و الألوان و الأصباغ .... إلخ
و هناك من رأى أنه مخطط ماسوني إذ أن الماسونيين يعظمون الفراعنة و يقولون أنهم على نفس عقيدتهم بدليل تعظيم الفرعون لعلوم الهندسة و اختيار وزيره من بين كبار المهندسيين ، و على ذلك فهم الأحق بتلك المقتنيات .
و آخرون أجابوني أن المسألة لا تتخطى حب و هواية إقتناء الأشياء النفيسة و جامعوا التُحف ، و يعقّبوا كلامهم بعبارة « رزق الهِبل على المجانين ».
و آخيراً هناك من قال أن للأمر علاقة وطيدة بالسحر و الزئبق الأحمر الذي يطيل العُمُر على حد قولهم ، و لكن الغريب أن الكيمائيين ينكرون وجود هذا العنصر ، إذ لم يسمعوا به إلا في خرافات الدجاليين .
لكن و في تلك الفترة العصيبة التي تمر بها السياحة المصرية يمكننا أن نعي الأسباب الحقيقية .
و نوجزها في أن «الخواجة» حين اشترى تلك القطع قد حدث أمران ؛ أولهما السائح لم يعد بحاجة للسفر ليراها فقد جاءت إليه ، و ثانيهما أن المجموعة التي لديك دائماً ناقصة مما يشوبها بالخلل.
ليس من السهل تشويه حضارة مصر القديمة لضرب السياحة المصرية ، و لكن الأسهل تعظيمها بعد نقلها للإستفادة منها ..
لذلك كنت حين أتجول بين ضواحي القاهرة الفاطمية و أسير في خان الخليلي ، كنت أنصح الباعة و التجار قائلاً " لو أن السائح يأتي لهذه الآثار فقط ، ما عاد إلا قليلاً ، لأنه قد علم بأمرها ، لكنه ضيف إن أكرمته ، أتى به الود و حسن المعاملة مرات عديدة »
كم ذكرتهم بتقوى الله تعالى في عملهم ، و طيب رزقهم ، إياكم و الغش ، إياكم و الغدر ، إياكم السرقة ، إياكم الفواحش ، إتقوا الله فإنّ النعمة زوالة ، أكرموا الضيفَ إن كنتم تؤمنون بالله و اليوم الآخر .
و هكذا الحال بلادي لها من الآثار ما يروى قصص مختلف الحضارات فرعونية و إغريقية و رومانية و قبطية و إسلامية و ما حباها الله تعالى به من مناطق علاجية و مناظر خلابة و لا يأتيها الزائرون ، بها القاهرة مدينة الألف مئذنة و لا يأتيها الزائرون ، بها الأقصر ثُلث آثار العالم و لا يأتيها الزائرون ، بها الأهرامات أحد عجائب الدنيا السبع و لا يأتيها الزائرون ؛ في حين أن هناك بلدان أخرى يأتيها النّاس من كل مكان ليس لآثارهم و إنما لإكرامهم ضيفهم ..






