✍️ في المقال السابق ، ذڪرت لڪم إتفاق الأديان في أغلب قصص الأنبياء و اختلافهم في بعضها ، و ڪنت قد بينت لڪم ، أنّ القرآن الڪريم الأحق بالإتباع من بينهم فيما وقع فيه الخلاف و عدّدت لڪم أسباب ذلك.
✍️ و استڪمالاً لما بدأناه ، نتدبر سوياً في هذا المقال إحدى النقاط المختلف فيها بين الأديان و هي أسماء الأنبياء عليهم السلام أجمعين.
✍️ أولاً يجب أنّ نستوضح نقطة هامة ، و هي منهج و طريقة التسمية في القرآن الڪريم ، فنجد أنّ المولى ﷻ في ڪتابه الڪريم تارةً يذڪر أحد الانبياء أو الاشخاص بصفته و لا يذڪر اسمه ، ڪنبي بني إسرائيل عليه السلام ، الذي اختار لهم طالوت ملڪاً ، و فرعون ، و العزيز ، و الملك الذي حاجّ إبراهيم عليه السلام ، و الذي أماته الله مئة عام ثم بعثه ، و فتى موسى عليهما السلام في سورة الڪهف .
✍️ و تارةً يذڪر الشخص باسمه ڪآدم و نوح و هود و صالح و إبراهيم و لوط و إسماعيل و إسحاق و يوسف و أيوب و ذو الڪفل و شعيب و موسى و هارون و داود و سليمان و يونس و زڪريا و يحيى عليهم السلام أجمعين.
✍️ هناك أسماء ذڪرت في أحاديث النبي ﷺ ، مثل شيث بن آدم عليهما السلام ، و ڪذلك دلّت أحاديث النبي ﷺ أنّ فتى موسى عليه السلام في سورة الڪهف ، اسمه يوشع بن نون عليه السلام.
✍️ قلت و هذه الأسماء هي التي عرفوا بها بين النّاس و هي اللائقة بهم عليهم السلام أجمعين ، فآدم يعني الأرض و منه ڪلمة أديم الأرض أي ثراها و ترابها ، و هذا لائق به عليه السلام ڪونه أبا البشر.
✍️ و إبراهيم تعني أبا الأمم و هذا لائق به عليه السلام ، إذ بارك الله ﷻ في ذريته ، فڪان أغلب الأنبياء عليهم السلام منها ، و موسى و تعني في الآرامية المنقذ و هذا لائق به عليه السلام ، حيث جعله الله تعالى سبباً أنقذ به بنو إسرائيل و أنتشلهم من الإضطهاد و العذاب ، و هڪذا....
✍️ و تارة ثالثة تجد أنّ القرآن الڪريم يذڪر الاسم و اللقب ، أو يذڪر لنفس الشخص اسمين ، مثل يعقوب عليه السلام و لقبه إسرائيل ، و عيسى عليه السلام و لقبه المسيح ، و محمد ﷺ و لقبه النبيّ و أيضاً ذڪره باسم آخر ؛ هو أحمد.
✍️ و يونس عليه السلام أو ذا النون ، و هما مترادفان ، فـ (يونس) ، لاحظ الـ س آخر الاسم زائدة ، و هي من لغة العرب إذ تُضاف في آخر الاسم لتبين أنّ المُسمّى علم .
✍️ و بعد حذفها يبقى الاسم ( يون) ، و هذا تماماً ڪما في الآرامية ، إذ يسمى (يونان) ، و (يو) فيها معناها (ذو) ، و (نان) فيها هي حرف النون ، إذن فـ (يونس) عليه السلام هو (يونان) و ڪلاهما يعني ذا النون.
✍️ و من الأسماء التي ڪانت محل خلاف إدريس و إلياس عليه السلام ، فقال بعض العلماء أنّهما شخصين مختلفين و ذلك اعتماداً على علم الأنساب.
✍️ و هناك من قال أنّهما اسمين لذات الشخص عليه السلام ، و هو قول عبدالله بن مسعود رضي الله عنه ، قلت ؛ و الله أعلم و لڪنّي أرجّح هذا الرأي و أميل إليه ، و ذلك لعدة أسباب ؛ أولاً ، لا نص يجزم بأنّهما اسمان لشخصين مختلفين .
✍️ ثانياً ، لاحظ في السور و الآيات الجامعة لقصص أو أسماء الانبياء عليهم السلام ، تجد أنّه لا يجتمع الاسمين معاً أبداً ، فالسورة التي يذڪر فيها إدريس لا يذڪر فيها إلياس و العڪس صحيح.
✍️ ثالثاً ؛ لو أنّه صحيحاً أنّ إدريس ليس إلياس عليه السلام ، و أنّه من أبناء شيث عليهما السلام ، لزم ذلك أن يجعله على عمود النسب بالنسبة للنبي ﷺ ، و هذا بالتبعية يستلزم أن يرحب به في معراجه الشريف بنفس الصيغة التي رحب بها آدم عليه السلام.
✍️ و هذا لم يحدث إنّما رحب عليه السلام به قائلاً: " مرحباً بالاخ الصالح و النبي الصالح " فدلّ ذلك أنّه ليس من آبائه ؛ رابعاً ، التشابه الڪبير من حيث ما بلغنا عن إلياس عليه السلام و معراجه إلى السماء و بين قول المولى ﷻ [ وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ ۚ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا {٥٦} وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا {٥٧} ] سورة مريم.
✍️ و هناك أسماء مختلف فيها بين الأديان ، مثل آزر أبا إبراهيم عليه السلام ، فهڪذا ذڪره القرآن الڪريم ، أمّا اسمه في الأديان الأخرى و عند علماء الأنساب (تارح) ، قلت و هذا خطأ بسبب التراجم .
✍️ و الأصل أنّ اسمه في السيريانية طارح ، و تعني من يحمل على ظهره عبء ، و لمّا تُرجم للإغريقية و من ثَمّ للإنجليزية ترجم إلى حرف (T) ، فلمّا ترجم إلى العربية ترجم على أنّه بحرف التاء ، فڪتب تارح.
✍️ أمّا القرآن الڪريم فقد انتقى خير ترجمة له و لصفته و حاله ، فسماه آزر ، و هو اسم مشتق من وزر ، و تعني الذي حمل وزراً أنقض ظهره.
✍️ و ڪذلك يحيى عليه السلام و يوحنا ، و القول الفصل في هذه المسألة ؛ أنّ القرآن الڪريم و العهد الجديد إتفقا على قاعدة لتحديد و تعيين اسم هذا النبي الڪريم بڪل دقّة ، و هذه القاعدة هي أنّ أحداً لم يتسمى بهذا الاسم من قبله عليه السلام.
✍️ و القرآن الڪريم أطلق ذلك على العموم [ يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَىٰ لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا {٧} ] سورة مريم ، و لم نجد فيما بلغنا أن أحداً تسمى بهذا الاسم قبل هذا النبي الڪريم عليه السلام .
✍️ أمّا اسم يوحنا فالعهد الجديد لم يقول بعدم تسمية أحداً به من قبله على الإطلاق ، و إنّما جعل ذلك قاصراً على عشيرته و حسب ، و رغم أنّه اقتصر على عشيرة لاوي ، إلا أننا لو بحثنا لنجدنّ أنّ اسم يوحنا منتشراً في هذه العشيرة من قبل زڪريا عليه السلام ، خاصة بين الڪهنة.
✍️ و لأنّ أحداً لم يتسمى بـ(يحيى) قبل هذا النبي الڪريم عليه السلام ، ڪانت هذه معضلة ڪبرى بالنسبة للمترجمين الإغريق ، و لمّا جابهوا هذه المشڪلة ، اضطروا للتعوّيض عن الاسم بالألقاب .
✍️ و لذلك نقلوه في ترجماتهم بثلاث صيغ ؛ الأولى يوحنّان و تعني ذو الحنان و هذا موافقاً لما وصفه به المولى ﷻ [ وَحَنَانًا مِّن لَّدُنَّا وَزَكَاةً ۖ وَكَانَ تَقِيًّا {١٣} ] سورة مريم .
✍️ و الصيغة الثانية يوحني ، و الثالثة يوحنا ، و ڪلاهما بنفس المعنى ، و معناهما ذو الحصر ، و هذا موافقاً لما وصفه به المولى ﷻ [ فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَىٰ مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ {٣٩} ] آل عمران.
✍️ و عيسى عليه السلام و يسوع ، و عيسى في العربية تعني أبيض البشرة ، و هذا موافق لهيئته التي وصفها لنا النبي ﷺ ، قلت و هذا الاختلاف يرجع أيضاً إلى خطأ في الترجمات و النقل .
✍️ فالاسم في الترجمة الإغريقية بعد حذف حروف النحو اليونانية هو (Iησου) ، و لأنّ حرف العين لا يوجد ما يقابله في اليونانية ، استخدم المترجم هذان الحرفين (Iη) عوضاً عنه ، و ينطقا معاً (ee) ، و لمّا بحثت عن نطق هذا الاسم بالآرامية ، و جدته في القواميس الإنجليزية (eesho) .
✍️ و ما أڪد لي أنّ (ee) تستخدم عوضاً عن نطق حرف العين ، أنّ ڪلمة (الڪريسماس) المقابل الآرامى لها ينطق (eedaa soorraa) عيدا سورا ، و ڪلمة عيد معلومة لنا جميعاً كيف تملى و تكتب و ماذا تعني!
✍️ و بحسب ما صرّح به (جيزا فيرمز) عالم مخطوطات البحر الميت ، إذ قال أنّه بحسب ما ورد عن جوزيفوس وفيلو ان اسم esaion و يعني بالعربيه اتباع عيسى ( عيسيون ) ، و صرّح أيضاً أن ما يؤكد هذا هو اقدم أثر موسوي ( الاقدم على الاطلاق ) ومكتشف في تركيا ويرجع تاريخه إلى سنة سبعين ميلادية ( أقدم من مخطوطات العهد الجديد !).
✍️ الخلاصة : إنّ ما تقدم من بحثي هذا ، ليس إلا إحقاقاً للحق و إظهاره ، و ليس بدافع عداء أو اضطهاد ، فالإعتراف بالحق دائماً أولى من التمسك بباطل .
🌿 سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت ، أستغفرك و أتوب إليك 🌿
📖 المراجع :-
- مقال القصص الحق و القرآن الڪريم - نشر في مدونة مقالات أبو صلاح ١٤٤٥هـ.
- كتاب إعجاز القرآن في أعجمي القرآن - رؤوف أبو سعدة
- كتاب يحيى أم يوحنا - جمال الدين الشرقاوي
%20(21).jpeg)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق