البحث

الشافعي والبخاري في الذاكرة المصرية: حين صار العِلم حصنًا لمصر

 ليست كل الشخصيات العظيمة تبقى حيّة بعد موتها بقرون، لكن بعض الرجال يتحولون إلى جزء من روح الأمة نفسها، حتى يصبح ذكرهم مألوفًا في الحارات والمقاهي والزوايا الشعبية كما هو مألوف في كتب العلم. 

ومن أعجب ما رأيته بنفسي في مصر أن اسمَي محمد بن إدريس الشافعي ومحمد بن إسماعيل البخاري لا يزالان يملكان هيبة خاصة حتى عند البسطاء والعوام، بل وحتى عند فئات تختلط عندها العقائد الشعبية والجهل والخرافة أحيانًا.

دخلتُ مرات عديدة إلى محيط مسجد الإمام الحسين، فوجدت هناك أناسًا أصحاب ميول باطنية وصوفية شديدة، لكن العجيب أنهم حين يُذكر الشافعي أو البخاري تتغير نبرة الحديث تمامًا؛ إذ يبدأون بسرد الحكايات عنهما بمحبة عظيمة، وكأن الرجلين جزء من الذاكرة المصرية نفسها، لا مجرد عالمين من كتب التراث.

وهنا أدركت شيئًا مهمًا:

أن أثر الشافعي والبخاري في مصر لم يكن مجرد أثر علمي، بل كان أثرًا وجدانيًا وشعبيًا أيضًا، وربما لهذا السبب بالتحديد تأخر انتشار الأفكار المنفلتة والاتجاهات غير المنضبطة في مصر رغم كل ما مر بها من اضطرابات فكرية ومذهبية عبر التاريخ.



لقد جاء محمد بن إدريس الشافعي إلى مصر في زمن كانت الساحة الإسلامية تضج بالاختلافات الحادة، من جدل كلامي، وروايات مضطربة، وتأويلات متشعبة. ولم يكن مجيئه مجرد رحلة عالم ينتقل من بلد إلى آخر، بل بدا كأنه تأسيس لمرحلة جديدة من ضبط العلم نفسه. فقد أعاد ترتيب العلاقة بين الفقه والحديث، وربط الأحكام بالأصول المحكمة، حتى أصبحت مصر بعده من أهم معاقل الفقه السني المنضبط.

أما محمد بن إسماعيل البخاري، فقد تحول اسمه مع الزمن إلى رمز لحراسة الحديث النبوي وتنقية الروايات. ولم يكن "صحيح البخاري" مجرد كتاب، بل مشروعًا هائلًا لحفظ المرجعية الإسلامية من الفوضى والتحريف.

لكن المدهش حقًا أن المصريين لم يحفظوا الرجلين عبر الكتب وحدها، بل عبر الحكاية الشعبية أيضًا.

فقد حكى لي بعض الجالسين هناك قصة طريفة عن الشافعي، وهي من الروايات الشعبية التي لا نعلم ثبوتها تاريخيًا، لكنها تكشف كيف يراه الناس في مخيلتهم. قالوا إن رجلًا أقسم بالطلاق أن زوجته "أحسن من القمر"، فاشتد الخلاف: هل وقع الطلاق أم لا؟ وقيل إن الإمام مالك بن أنس أفتى بأن الطلاق قد وقع لا محالة.

ثم جاء الشافعي، فاستأذن الإمام مالك أن يصلي بالناس. فتقدم للصلاة، وفي القراءة أخذ يكرر قوله تعالى:

{ولقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم}

وكلما حاول الناس رده أعاد الآية مرة بعد مرة حتى انتهت الصلاة. فلما سألوه عن ذلك قال:

"أردت أن أثبت لكم أن الله قال الإنسان، ولم يقل القمر!"

ثم قالوا إن الناس بعد ذلك صاروا يفضلون استفتاء الشافعي لذكائه وفطنته، لكنه من شدة أدبه كان يقول عبارته الشهيرة:

"لا يُفتى ومالك في المدينة."

ورغم أن هذه القصة أقرب إلى المناقب الشعبية منها إلى الروايات التاريخية الموثقة، فإنها تكشف صورة الشافعي في الوعي المصري: العالم الذكي، خفيف الظل، المهذب، الذي يغلب بالحكمة لا بالصخب.

أما البخاري، فقد حُكيت لي قصته بطريقة أشبه بالأساطير العلمية.

قالوا إن العلماء أرادوا اختباره، فجلس كل واحد منهم يقرأ عليه مئة حديث بعد أن خلطوا الأسانيد بالمتون عمدًا. فكان البخاري بعد كل حديث يقول بهدوء: "لا أعرف هذا الحديث من هذا الوجه."

حتى ظن بعض الجهال أنه لا يعرف حتى الأحاديث المشهورة، وبدأوا يتهامسون بأن الرجل ليس كما يُقال عنه.

فلما انتهى العلماء، قام البخاري وأعاد لكل واحد منهم أحاديثه المئة كما ألقاها، ثم صحح كل سند وكل متن في موضعه الصحيح دون أن يخطئ في شيء.

وهنا سكت الجميع، وأقر له أهل العلم بالحفظ المذهل والدقة العجيبة، ثم أضاف بعضهم بحماس: "وكان ينظر إلى الصفحة مرة واحدة فيحفظها!"

قد لا نستطيع الجزم بصحة كل هذه التفاصيل كما يتداولها الناس، لكن الأهم هو ما تعكسه هذه القصص: فالمصريون لم يروا في البخاري مجرد محدّث، بل رأوا فيه رجلًا نذر حياته لحماية حديث النبي ﷺ من العبث والتحريف.

ومن هنا يمكن فهم سبب الهجوم الشرس على الشافعي والبخاري في بعض السجالات الفكرية الحديثة. فالهجوم عليهما ليس مجرد نقد علمي في كثير من الأحيان، بل صدام مع رمزين ارتبطا في الوعي المصري بحراسة الدين وضبط العلم. ولهذا تبدو محاولة إسقاطهما بالنسبة لكثير من الناس وكأنها محاولة لاقتلاع جزء من هوية مصر الدينية نفسها.

ولهذا أيضًا ظل الرجلان، رغم مرور القرون، حاضرين في ذاكرة المصريين بقوة عجيبة؛ لا كأسماء جامدة في كتب التراث، بل كرمزين للعِلم حين يتحول إلى حصن يحفظ أمة بأكملها.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق