هل حصر الإمام الشافعي تفسير الصراط على الآخرة؟
تفكيك دعوى معاصرة ومنهج الردّ عليها
تمهيد
كثيرًا ما تُثار في الخطاب المعاصر دعاوى تُنسب إلى الأئمة الكبار دون توثيقٍ أو نصٍّ صريح، ثم تُستعمل تلك الدعاوى لهدم المنهج الذي أسّسه هؤلاء الأئمة أنفسهم.
ومن أشهر تلك القضايا: دعوى أن الإمام الشافعي حصر معنى الصراط في الآخرة فقط، وأنه لا دلالة دنيوية له في القرآن، وهي دعوى رُوِّجت في كتابات محمد شحرور، ثم تلقّفها بعض الكتّاب والصحفيين على سبيل الطعن في الإمام الشافعي ومنهجه.
فهل قال الشافعي هذا حقًّا؟
وما حقيقة الصراط في القرآن والسنة؟
ولماذا يُستدعى اسم الشافعي في هذا الجدل تحديدًا؟
أولًا: هل فسّر الإمام الشافعي القرآن؟
الإمام الإمام الشافعي لم يؤلّف تفسيرًا كاملًا للقرآن على نمط التفاسير المسلسلة، لكنه؛ فسّر آياتٍ كثيرة ضمن كتبه لا سيما في: الرسالة - الأم
وكان تفسيره تفسـيرَ استدلالٍ ومنهج، لا تفسيرَ حكايةٍ أو سرد
وقد كان الشافعي من أدقّ الناس فهمًا: لدلالة الألفاظ، ولعلاقة القرآن بالسنة، ولخطورة نقل اللفظ من معناه اللغوي إلى معنى غيبي بلا دليل.
ثانيًا: هل حصر الشافعي معنى الصراط في الآخرة؟
الجواب القاطع: لا.
لا يوجد: نصٌّ صريح ولا ضمني ولا إشارة... في كتب الشافعي، تقول إن: الصراط في القرآن لا يُراد به إلا صراط الآخرة
بل إن منهجه الأصولي يمنع هذا الحصر؛ لأن: الألفاظ تُحمَل على عمومها ولا يُخصَّص اللفظ إلا بدليل والجمع بين المعاني أولى من إلغائها.
والصراط في العربية: طريقٌ واضحٌ مستقيمٌ موصلٌ إلى غاية، وهذا معنى: دنيوي لغةً أخرويٌّ غيبًا إذا دلّ عليه النص
ثالثًا: هل صراط الآخرة ثابت شرعًا؟
نعم، ثابت بالسنة الصحيحة المتواترة معنًى... ومن ذلك:
حديث وضع الصراط على متن جهنم
حديث المرور عليه بحسب الأعمال
حديث: «أدقّ من الشعر وأحدّ من السيف» - وهذا بالمناسبة - ليس وصفا مادياً إنما تعبير بلاغي عن شدة الخطر كما يقول أحدنا مثلا كنت على حافة الموت، وصفا لشدة الخطر المحدق به.
وحديث دعاء الأنبياء: «اللهم سلِّم سلِّم»
وهي أحاديث: في صحيحي البخاري ومسلم
لا تحتمل التلاعب وأجمع عليها أهل السنة والجماعة، والشافعي يُثبت الغيب بالنقل، لا بالهوى ولا بالفلسفة.
رابعًا: إذًا من أين جاءت دعوى الحصر؟ لماذا يُنسب هذا القول إلى الشافعي؟
لأن الشافعي: هو مؤسّس علم أصول الفقه واضع ضوابط التأويل المثبّت لحجية السنة.
وبالتالي: هدم الشافعي = هدم المنهج الذي يقف سدًّا أمام القراءة العبثية للنص
فالخطاب الشحروري يعمل وفق آلية معروفة: اختيار رمز مركزي (الشافعي)
نسبة قول غير موثّق إليه الطعن فيه بذلك القول الانتقال لهدم التراث كلّه فتح الباب لتفسير فردي بلا ضابط
خامسًا: لماذا الصراط تحديدًا؟
لأن الصراط: يجمع بين اللغة والغيب وثيق الصلة بالسنة... إنكاره أو تفريغه من حقيقته يفتح الباب لـ: تأويل الغيب رمزيًا نزع الآخرة من معناها الحقيقي، وهو بالضبط ما يقوم عليه الخطاب الذي: يريد دينًا بلا غيب وآخرة بلا حساب ونصًّا بلا نقل
سادسًا: دور بعض الصحفيين المعاصرين حين ينتقل هذا الطرح إلى الإعلام: يُقدَّم بلا مصادر
ويُقال: «قال الشافعي» دون نص، وتُستعمل عبارات فضفاضة: يُنسب إليه – ذُكر عنه – قال في بعض كتبه وهذا ليس بحثًا علميًا، بل تشهيرٌ معرفي.
النقد العلمي يبدأ بنصٍّ موثّق وينتهي بدليل، لا بشعارٍ ولا بمنشور
كلمة أخيرة
الإمام الشافعي رحمه الله لم يحصر الصراط في الآخرة، ولم ينفِ صراط الآخرة بل جمع بين الدلالة اللغوية والنقل الصحيح... أما نسبة هذا الحصر إليه تحريف بلا دليل.
وهذه التحريف لا يُستعمل إلا لهدم: حجية السنة، علم الأصول، المنهج العلمي في الفهم...
الشافعي لم يكن إمام مذهب فحسب، بل حارس المنهج، ومن عجز عن هدم المنهج بالدليل، حاول هدمه ولو بالكذب.
وما دام النص محفوظًا، فسيبقى الباطل – مهما علا صوته – عارِيَ الدليل.