البحث

هل عمران هو إسرائيل هو الخضر !!؟

✍️ حين قرأت عن هذا الفرض ؛ آسفني كثيراً و عزّ عليّ ما صادفت من زلل بعض الباحثين ، و ذلك لأنّ الخوض في المتشابهات ، أشدّ مداً و جزراً و تقلباً من البحر على السفن الضالة.

✍️ و الحق أقول لكم ، إنّ أساس زلل البعض و صدفهم عن الحق ؛ هو تحيّزهم و تعنتهم للفكرة التي هجست بأنفسهم ، و لو أنّهم تدبروا المسألة بقصد إحقاق الحق و حسب ، ما زلّوا أبداّ !!

✍️ و هذه أصول البحث و آدابه أن يسوق الباحث من الأدلة ما يظهر الحق و الصواب للناس في موضوع بحثه ، أيّاً كانت النتائج ، و إن حتى خالفت هوى نفسه أو ما كان يتوقع من بحثه .

✍️ لكن للأسف الشديد تجد البعض يخونون الأمانة و يضربون بهذه الآداب عرض الحائط ، فيدلسون الأدلة أو يظهرون من البراهين ما يوافق رأيهم و يخفون كثيراً أو يحرفون الكلم عن مواضعه ، و كل هذا في سبيل الوصول إلى نتائج محددة ، كانت هي مسعاهم منذ أن سطروا الكلمة الأولى في بحثهم ، و هذا بلا ريب يصنف في قبيل الغش و التلاعب.

✍️ ألا يخشى هؤلاء أن يجرفهم التيار و يأخذهم بعيداً عن صفوف المؤمنين !! ألم يعلم هؤلاء أنّ رسول الله ﷺ قال " من غشّنا فليس منّا " !!

✍️ السبب الثاني الذي يوقع الباحث في  مثل هذا الزلل ، هو إهمال القواعد و الأصول الفقهية في بحثه ، فمثلاً من القواعد الثابتة أنّه لا اجتهاد مع نص صحيح ، لأنّ النص أقوى من الاجتهاد ، فالنص معصوم أما المجتهد فليس معصوم ، لذلك ما من حاجة للاجتهاد حال وجود نص في المسألة.

✍️ و من القواعد الفقهيه الثابتة أيضاً عدم تأويل النص بخلاف ظاهره ، و قد تسبب إهمال هذه القاعدة في ظهور الفرق الباطنية ، و التي فسرت النصوص القرآنية تفسيراً عجيباً و كأنها رموز رؤى و أحلام ، والعياذ بالله. 

✍️ و عواقب التفسير الخاطئ  تتفرع و تتشعب ، فترى البناء يتعاظم فوقها ؛ طوابق بعضها فوق بعض من أخطاء جسيمة ، ثمّ ما إن ظهر الحق ، سرعان ما ينهار كل شيء ، و يسقط السقف على رأس رافعه .

✍️ و بداية هذه الفرضية ؛ التي هي موضوعنا ، كانت إخطاء أصحابها في تأويل بعض ألفاظ القرآن الكريم ، فمثلاً كلمة (آل فلان) فسروها على أنها ذريته من بناته أي أبناء البطون (الإناث) ، و هذا تفسير خاطئ و غير صحيح ،  فـ (آل) من يؤول ، و يؤول إلى فلان أي رجع إليه في أمره و اتبعه ، و آل الرجل هم أتباعه. (١)

✍️ و تأمل قول المولى ﷻ { وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ } (٢) ، فهل جاءت الرسل عليهم السلام تنذر فرعون و أتباعه ، أم تنذر فرعون و أبناء بناته فقط مثلاً !؟ هل تجد التأويل يستوي هكذا !!؟ و كذلك قوله ﷻ { إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ } (٢) ، ما المراد من آل إبراهيم ، سوى ذريته من إسماعيل و ذريته من إسحاق !! ، أم إنّ إيراهيم عليه السلام أنجب إناثاً !؟

✍️ هذا التفسير الخاطئ للفظ (آل) قد دفع الباحث لمجموعة أخطاء أكبر ، إذ أصبح الآن تأويل " آل يعقوب " في سورتي يوسف و مريم ، تشير إلى أبناء بنات يعقوب عليه السلام أو لابن منهم بالتحديد ، و ليس إلى جميع أبنائه و نسلهم.

✍️ و لعل ما أوقعهم في هذا الخطأ ، هو قياسهم حال يعقوب عليه السلام على حال النبي ﷺ ، فخلط هؤلاء آل محمد بأهل البيت في حديث الكساء ، بسبب تسمية النبي ﷺ للحسين و الحسين بالأسباط لأنهما ابني ابنته رضي الله عنهم اجمعين.

✍️ و هذا ليس صحيحاً بالمرة ، فإنّ آل محمد معناها اتباع النبي ﷺ كما بينت لكم معناها في المعاجم ، و السبط هو ابن الابن و الابنة ، و ليس ابن الابنة فقط من يسمى سبطاً كما يزعم البعض ، و الأسباط عند اليهود بمثابة القبائل عند العرب . (٤)

✍️ الخطأ الثاني تفسير النص على غير ظاهره ، في قول المولى ﷻ { أُولَٰئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا ۚ إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَٰنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا ۩ } (٥) ، و لا أعلم ما دفعهم للظن أن إسرائيل ليس من ذرية إبراهيم عليهما السلام ، فالآية واضحة و تأويلها لا يحتاج للتفلسف .

✍️ فمن ذرية آدم كان شيث ، و من ذرية من حملنا مع نوح كان إبراهيم ، و من ذرية إبراهيم كان إسماعيل و من بعده محمد ، و كان إسحاق أيضاً و من بعده يعقوب ، و من ذرية يعقوب موسى و عيسى و أنبياء كثيرة ؛ عليهم السلام أجمعين.

✍️ الخطأ الثالث هو الاجتهاد في تحري أنّ يعقوب ليس إسرائيل ، رغم وجود نص صريح يفصل في المسألة ، فعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : " حضرتْ عِصابةٌ من اليهودِ رسولَ اللهِ ﷺ فقالوا : يا أبا القاسمِ حدِّثْنا عن خِلالٍ نسألُكَ عنها لا يَعلمُهنَّ إلا نبيٌّ فكان فيما سألوهُ أيُّ الطعامِ حرَّمَ إسرائيلُ على نفسِهِ قبلَ أنْ تُنَزَّلَ التوراةُ قال : فَأُنشِدُكم باللهِ الذي أنزل التوراةَ على موسَى هل تعلمونَ أنَّ إسرائيلَ يعقوبُ عليهِ السلامُ مَرِضَ مرضًا شديدًا فطال سُقمُه فنذر للهِ نَذْرٌ لئن شفاهُ اللهُ من سُقمِه ليُحَرِّمنَّ أَحَبَّ الشرابِ إليهِ وأَحَبَّ الطعامِ إليهِ فكان أَحَبُّ الطعامِ إليهِ لُحمْانِ الإبلُ وأَحَبَّ الشرابِ إليهِ ألبانُها فقالوا : اللهمَّ نعمْ ". (٦) 

✍️ و لا أجد في المتن شيئاً مما يزعمون !! و كيف يريد النبي ﷺ بإسرائيل شخصاً آخر سوى يعقوب عليه السلام ، و هو يتحدث إلى اليهود الذين جاؤوا يسألونه عن يعقوب ، و يقولون و يقرون أن إسرائيل و يعقوب هما اسمان لشخص واحد ، فهل من المنطق أنهم يسألونه ﷺ عن أحد ، فيجيبهم هو عن أحد آخر ، ثمّ يصدقون على حديثه .

✍️ و الصواب بإذن الله تعالى في هذه المسألة أنٌ يعقوب عليه السلام هو إسرائيل ، و الصحابة رضوان الله عليهم كانوا على ذلك فعن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: " إن إلياسَ هو إدريسُ ويعقوبُ هو إسرائيلُ " (٧) ، وما العجب أن يكون له اسمين عليه السلام ، فهذا مألوف في كتاب الله ﷻ ، فتارة يقول المسيح و تارة يقول المسيح عيسى و تارة يقول المسيح عيسى ابن مريم و تارة يقول عيسى ابن مريم  عليه السلام.

✍️ و تارة يقول محمد رسول الله ﷺ ، و تارة يقول اسمه أحمد ، و تارة يقول ذا النون و تارة يقول يونس عليه السلام ، فما المانع أن يكون ليعقوب عليه السلام اسمين أيضاً ، قطعاً لا إشكال في ذلك.

✍️ و غض الباحث بصره عن كل هذا و اختلق علاقة بين قوله ﷻ { أُولَٰئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ } (٥) ، و بين قوله ﷻ {  إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ } (٣) ، فقام بالمقارنة بينهما ، و بالتعويض استدل على أن إسرائيل هو عمران ، بغير دليل و لا علم ، و لا حول ولا قوه الا بالله العلي العظيم.

✍️ الطامة الكبرى كانت في الفرحة التي اعترته حين ظن أنّه بذلك قد حلّ لغز تأويل قوله ﷻ { يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا } (٨) ، فقال أن عمران هو إسرائيل و هو من أنجب هارون و عاش آلاف السنين حتى أنجب مريم عليهم السلام أجمعين.

✍️ و تأويل {  يَا أُخْتَ هَارُونَ } قد قاله النبي ﷺ قبل ما يزيد عن أربعة عشر قرناً ، فعن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه أنه قال: " قَدِمْتُ نَجْرَانَ سَأَلُونِي، فَقالوا: إنَّكُمْ تَقْرَؤُونَ {يَا أُخْتَ هَارُونَ} ، وَمُوسَى قَبْلَ عِيسَى بكَذَا وَكَذَا، فَلَمَّا قَدِمْتُ علَى رَسولِ اللهِ ﷺ سَأَلْتُهُ عن ذلكَ، فَقالَ: إنَّهُمْ كَانُوا يُسَمُّونَ بأَنْبِيَائِهِمْ وَالصَّالِحِينَ قَبْلَهُمْ. ". (٩)

✍️ و كلام النبي ﷺ بيّن واضح ليس فيه إبهام ، و هو أنّ هارون المذكور في هذه الآية ليس هارون النبي عليه السلام ، و إنما هارون غيره تسمّى على اسمه.

✍️ انظر إلى هذه الشبكة التي حاكتها خيوط الأخطاء التي أركسوا فيها ، فاستنبطوا أن آل يعقوب ليسوا بنيه و لا نسله ، و إنما هم من ابنة له و أن أحدهم هو إسرائيل ، و أنه هو عمران أيضاً ، و من معنى عمران قرروا وجوب طول عمره ، حيث أنجب هارون و بعد آلاف السنين أنجب مريم عليهم السلام أجمعين .

✍️ ثمّ كان من الطبيعي أن يبحثوا عن مبرر لطول عمره الذي يفتقر إلى دليل صحيح عليه ، فاختاروا أن يكون إسرائيل هو عمران هو الخضر عليهم السلام ، استناداً إلى قول بعض أهل العلم بصدد طول عمر الخضر عليه السلام ، و إنا لله و انا اليه راجعون.

✍️ و هكذا نفوا علاقة بنو إسرائيل بيوسف و إخوته و أصبحت بني إسرائيل فرقة واحدة منهم ، و هذا قول باطل و غير صحيح.

✍️ و لو أنّ بنو إسرائيل ليسوا إلا فرقة من ذرية يعقوب عليه السلام فكيف إذن كان موسى عليه السلام منهم ، ألم يقرأوا قول المولى ﷻ قال { وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَىٰ حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَٰذَا مِن شِيعَتِهِ وَهَٰذَا مِنْ عَدُوِّهِ ۖ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَىٰ فَقَضَىٰ عَلَيْهِ ۖ قَالَ هَٰذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ ۖ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ } (١٠) ، و موسى عليه السلام كان من نسل لاوي بن يعقوب عليه السلام ، أم يقول هؤلاء أن موسى عليه السلام حين قال لفرعون { فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ ۖ } (١١) كان يقصد بعض قومه و ليس جميعهم !!

✍️ و لو أنّ بني إسرائيل ليسوا إلا فرقة من ذرية يعقوب عليه السلام ؛ فكيف جاء داود و سليمان عليهما السلام من بيت يهوذا !! و كيف أن بنوا إسرائيل ليسوا إلا فرقة من ذرية يعقوب عليه السلام و في الوقت ذاته ليسوا من ذرية إبراهيم عليه السلام!!؟

✍️ هذا كلام كما ترى لا يستوي مع الأدلة الصحيحة و لا حتى مع المنطق السليم ، فاسأل كاتبه و ناشره أن يعيد النظر فيه ، و أنصح له أن يتراجع عنه و يتقي الله ربه فيما يكتب و ينشر .

🌿 سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك و أتوب إليك 🌿 

------------------------------------------------------------

📖 المراجع :-

(١) مختار الصحاح للرازي (ص٢٥) - لسان العرب لابن منظور (٣٨/١١) - متن اللغة لاحمد رضا (٢٢٤/١) - تاج العروس للزبيدي (٣١/٢٨).
(٢) آية ٤١ - سورة القمر 
(٣) آية ٣٣ - سورة آل عمران
(٤) العين للفراهيدي (٢١٨/٧) - معجم اللغه العربيه المعاصره لاحمد مختار عمر (١٠٢٦/٢) - لسان العرب لابن منظور (٣١٠/٧) - مختار الصحاح للرازي (ص١٤١) - تاج العروس (٣٣٠/١٩).
(٥) آية ٥٨ - سورة مربم
(٦) تخريج المسند لاحمد شاكر (١٥٦/٤) و قال إسناده صحيح و أشار إلى صحته في عمدة التفاسير (١٠٧/١) - الأخاديث المختارة المقدسي (٢٢/١١) ، و قال : هذه أحاديث اخترتها مما ليس في البخاري ومسلم - و شعيب الأرناؤوط في تخريج المسند (٢٤٧١) و قال : حسن .
(٧) حسنه ابن حجر في الفتح (٤٣٠/٦)
(٨) آية ٢٨ - سورة مربم
(٩) صحيح مسلم (٢١٣٥)
(١٠) آية ١٥ - سورة القصص
(١١) آية ٤٧ - سورة طه

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق