✍️ أحياناً يؤثر الباحثون سلك الطريق الأصعب ، برغم أنّ الحقيقة واضحة جليّة أمام أعينهم ، فلحقبة من الزمان ليست بالوجيزة حيّرهم تساؤل هل من لغة أُمْ انبجثت منها كل اللغات !!؟ و لو أنّ الأمر كذلك فما هي اللغة الأم !!؟
✍️ و وضعوا النظريات حول تطور اللغة و اتفاق البشر على مسمّى لك شيء و قسموا اللغات إلى أقسام أفروآسيوية و هندوأوربية ... إلخ.
✍️ و آخرون قالوا أنّ هناك لغة أم ، و اختلفوا فيما هي ، فقال بعضهم الإرامية و قال بعضهم السريانية ، و كل تحيّز إلى قوله بغير دليل و لا حتى مبررات منطقية.
✍️ و الحق أقول لكم إنّ السبب الحقيقي للحيرة الشديدة التي وقعوا بين براثنها ؛ هو أنّهم لا يؤمنون ، و لو أنّهم آمنوا و اتقوْا لأبصروا الحقيقة بعين اليقين ، و ما وقعوا أبداً في هذا الشَّرَك.
✍️ إذ ستجد أنٌ الإيمان بما أنزل الله ﷻ يفصل في النقاط التي طالما شتت أبحاثهم ، فعلي سبيل المثال لا الحصر ، قولهم أنّ المجتمع الإنساني كان بادئ الأمر مجتمعاً بدائياً و من ثمّ تعارفوا على ألفاظ ، ثمّ اتفقوا على مسمّى لكل شيء ، هذا قول داحض.
✍️ فقال المُوْلَىٰ ﷻ: [ وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَٰؤُلَاءِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ] (١) ، أيّ أنّ آدم عليه السلام (الإنسان الأول) خُلِق مُتكلٍّماً ؛ سميعاً بصيراً.
✍️ و لو تفكّرت قليلاً لتجدّنّ أنّ هذا حق مبين ، إذ لابد أن يكون الناس يتكلمون لغة ما في الأساس ، حتى يتمكنوا من الإتفاق على مسمّيات ما يقابلوا من محدثات ، و إلا فكيف سيتمكّنوا من الإتفاق أساساً !!
✍️ و لو أنّه كان مجرد منطق (٢) كالحيوانات و الطيور ما ارتقى لأن يصبح لغة ابداً ، و لو أنّ هذه الصيحات تُنشئ لغة لتحدّث الحيوانات يوماً ما !!
✍️ فمنطق الحيوانات و الطيور ببساطة شديدة هي صيحات تعبّر عن حاله و الذي يشعر به ، من الخوف و الجوع و الحذر و التخويف إلى ما غير ذلك.
✍️ إنّما حتى تنشأ لغة وجب أن يكون هناك على الأقل مفردات و مصطلحات أساسية يعرفونها جميعاً ؛ تمكّنهم من التواصل و الاتفاق.
✍️ و أمّا اللغة الأم التي طالما بحثوا عنها هي اللغة العربية بلا أدنى ريب و ذلك لعدة أسباب ، أولاً أنّ المولى ﷻ اختارها للقرآن الكريم ؛ آخر ما أنزل من عنده للناس.
✍️ ثانياً اللغة العربية هي الأقدم ، فالعرب البائدة هم أولى المجتمعات الإنسانية بعد الطوفان ، و منهم قوم عاد و قوم ثمود ، فالأحرى أن تكون لغتهم هي الأقرب للغة أجدادهم الذين عاشوا قبل الطوفان العظيم .
✍️ لأنّ كلّما طال الأمد و تقدم الزمن عن الطوفان تفرعت اللغة و تعددت اللهجات و استحدثت ألفاظ و عاقبة ذلك إختلاف الألسنة.
✍️ثالثاً اللغة العربية هي الأثرى لغوياً من كافة النواحي ؛ فهي الأثرى من حيث جذور اللغة ، و التي تقرب على عشرة آلاف جذر أو مادة لغوية ، و هي الأثرى أيضاً من حيث الحروف الهجائية ، و التركيبات اللغوية ، و المخارج اللفظية.
✍️ فأبجديتها مكونة من ثمانية و عشرون حرفاً ، جمعت فيهم كافة مخارج النطق ، و أمّا القائلين بأنّهم في الأصل إثنين و عشرون حرفاً فقط ، فكلامهم هذا مردود عليه من الباحثين كثيراً.
✍️ و كذلك هي الأثرى من حيث المفردات ، إذ تتمتع بالاشتقاق مثل فعل يفعل فاعل مفعول نستفعل فعول فعيل فعال مفعل ، و كذلك تتمتع بالقدرة على التعريب ، فاللغة العربية إذا ما عربت كلمة صارت عربية حتى أنها إذا عادت و رجعت إلى أهلها بالكاد يعرفوها .
✍️ و هي الأثرى من حيث المرادفات فتجد كل مسمّى له أكثر من مرداف ، مثل الحصان فمن مسمياته خيل و جواد و فحل و فرس ... إلخ ، و مثل الأسد فمن مسمياته أيضاً غدنفر و ليث و قسورة و سبع ... إلخ.
✍️ و هي الأثرى من الناحية البلاغية ، ففي اللغة العربية تعبّر عمّا تشاء بأبسط الألفاظ و أقل الكلمات ، و بذلك فهي تُوجز القول و تحقق المعنى ، مثل أكلت التمر ، جرب ترجمتها إلى عدة لغات و تأمل إن كانت هناك لغة تستطيع أن توجزها مثل العربية.
✍️ بل إنّ الإيجاز قد بلغ في العربية إلى حد التعبير عن جملة كاملة بكلمة واحدة ، فإذا قلت مثلاً : "هلّل" فهذا معناه أن تقول لا إله إلا الله ، و كذلك "كبّر " معناها أن تقول الله أكبر ، و "حَوْقِل" أن تقول لا حول ولا قوة إلا بالله ، و هكذا.
✍️ بل و الأدهى من ذلك أنّ اللغة العربية تعبّر بحرف عن كلمة ، مثل "قِ" ، فأصلها من "وقى" ، فإذا أردت أن تقولها بصيغة أمر صارت "قِ" ؛ فعل أمر مجزوم و علامة جزمه حذف حرف العلّة و هو الياء.
✍️ فبعد الذي ذكرنا و استعرضنا أي لغة حيّة أو ميتة يمكنها أن تنازع اللغة العربية و تباريها على منزلة اللغة الأم !!
✍️ و اعتقادي الشديد أنّ اللغة العربية هي اللغة الأم هو ما دفعني دائماً لرفض مصطلح ألفاظ أعجمية في القرآن الكريم ، فلو أنّ آدم عليه السلام كان متحدثاً بالعربية و قد علّمه علّام الغيوب ﷻ كلّ الأسماء ، إذن فستكون كل المسميات أصلها عربية .
✍️ و لعلّ ما أعجم من الألفاظ بعدها ، فأصبح غريباً عن اللغة العربية المستحدثة ، هو في الأصل من اللغة العربية و لكنه اندثر مع من هلك الأمم البائدة و القرون العربية الأولى.
✍️ و القائلين بأنّ النبي ﷺ أخبرنا أنّ آدم عليه السلام كان سيريانياً فقولهم داحض لأن الأحاديث الواردة في هذا الخبر ضعيفة جداً و ليست من كلام الصادق المعصوم ﷺ.
✍️ فرواية عن أبي أمامة رضي الله عنها ، و سندها ضعيف جداً فيه معان بن رفاعه السلامي ضعيف ، و علي بن يزيد ضعيف ،و القاسم أبو عبد الرحمن ضعيف.
✍️ و رواية عن أبا ذر رضي الله عنه ، و سندها ضعيف فيه إبراهيم بن هشام بن يحيى الغساني، و قد وصمه بالكذب جمع من أهل العلم منهم أبو حاتم وابن الجوزي وأبو زرعة.
✍️ و رواية أنس رضي الله عنه ، سندها ضعيف جداً أيضاً ، فيه موسى بن عبيدة الربذي ضعيف و يزيد الرقاشي ضعيف جداً.
🌿 سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك و أتوب إليك 🌿
------------------------------------------------------------
📖 المراجع :-
(٢) انظر تفسير آية ١٦ - سورة النمل
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق