✍️ قبل أن أشرع في كتابة هذا المقال أتوجه إلى كافّة الأمة الإسلامية بالتهنئة بحلول الشهر الفضيل ، { شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ } (١) ، تقبّل الله ﷻ منا جميعاً صالح الأعمال.
✍️ و من باب { وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ } (٢) ، اذكر نفسي و إياكم ؛ في هذا المقال ، بأهمية الصوم و مفسداته و مبطلاته و فتاوى الفقهاء و ردّهم على الأسئلة الأكثر طرحاً بصدد فريضة الصوم.
✍️ و تتجلى أهمية الصيام في كونه الركن الرابع من أركان الإسلام ، و هو فريضة عظيمة كتبها الله ﷻ على الأمة الإسلامية كما كتبها و فرضها على الأمم السابقة ، و ذلك حتى لا يفوت هذه الأمة فضل أو عمل صالح ؛ مَنّ الله ﷻ به على من قبلهم.
التكليف بالصوم
✍️ و من رحمة الله تعالى أنّه درج تكليف الصيام على المؤمنين ، فكان بادئ الأمر طواعية و اختياراً ، فقال ﷻ: { وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ } (٣) ، ثم نسخ الحكم بقوله تعالى : { فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ } (١) ، فأصبح فرضاً و تكليفاً لا تخيّر فيه.
✍️ و المكلّف بالصيام كل مسلم بالغ عاقل ، صحيح مطيق له ، مقيم ؛ غير معذور ، و يمكن اعتبار صوم رمضان كسائر الفرائض حيث يبدأ تعليمه من الصبا أي من سن السابعة إن كان الصبية يطيقون ذلك . (٤)
✍️ و قد جمع الله ﷻ ما كلف به الصائم في قوله: { أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَائِكُمْ ۚ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ ۗ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ ۖ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ ۚ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ۖ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ ۚ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ ۗ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ }. (٥)
✍️ هذا ما يصوم عنه المؤمن في النهار ، فيعصم نفسه عن مباشرة نسائه من حيث الجماع ، و الأكل و الشرب و ما شابه ذلك .
✍️ ألا تمتنع عن ذلك ابتغاء مرضاة الله ﷻ ، فقط لأيام معدودات ، ألا تبتغي مرضاة مَن أحياك و أنعم عليك و على والديك و جعل لك من الصحة و العافية و الرزق ما تحيا به بين الناس.
فوائد الصوم
✍️ و الصيام تهذيب للنفس و ارتقاء بها عن الغرائز و الشهوات ، فمن أملك لنفسه ممّن ترك الشهوات من مأكل و مشرب و جماع و غيره ، ابتغاء مرضاة الله ﷻ ، بمحض إرادته في النهار حيث معاش الناس.
✍️ لذلك عظّم الله ﷻ أجر الصائم فقال في الحديث القدسي : [ كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ له، إلَّا الصِّيَامَ؛ فإنَّه لي، وأَنَا أجْزِي به ] (٦) ، و من عظيم فضل الصيام ايضاً أن رسول الله ﷺ قال: [ فِي الجَنَّةِ ثَمَانِيَةُ أبْوَابٍ، فِيهَا بَابٌ يُسَمَّى الرَّيَّانَ، لا يَدْخُلُهُ إلَّا الصَّائِمُونَ ] (٧).
✍️ و قال أيضاً: [ والصِّيَامُ جُنَّةٌ، وإذَا كانَ يَوْمُ صَوْمِ أحَدِكُمْ فلا يَرْفُثْ ولَا يَصْخَبْ، فإنْ سَابَّهُ أحَدٌ أوْ قَاتَلَهُ، فَلْيَقُلْ: إنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ. والذي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بيَدِهِ، لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِن رِيحِ المِسْكِ. لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا: إذَا أفْطَرَ فَرِحَ، وإذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بصَوْمِهِ ] . (٦)
✍️ و للصيام فوائد صحية جمّة ، فكبح الشهية يساعد على تخفيض مستويات السكر في الدم و كذلك معدلات الكوليسترول و الدهون الثلاثية ، ممّا يساعد في التخلص من الوزن الزائد و ارتفاع ضغط الدم و إزالة السموم.
الرخصة في عدم صوم رمضان
✍️ من رحمة الله تعالى بعباده أنّه جعل رخصة للمعذور في عدم صوم رمضان ، كما جاء في قوله ﷻ : { فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۚ } (٣) ، لما في الأمرين من وهن للبدن مما يجعل من الصوم مشقة.
✍️ و على المريض و المسافر الذي لم يعزم الإقامة ، قضاء مثل ما أفطر ، و أما إن كان المريض من ذوي العلل و الأمراض المزمنة فليس عليه قضاء و إنما عليه كفارة ، و هي إفطار مسكين عن كل يوم أفطره.
✍️ و إنّ أخذ المسلم بالرخصة حتى لا يشق على نفسه ، فلا بأس عليه لقول النبي ﷺ: { إنَّ اللهَ يحبُّ أنْ تؤتَى رُخصُهُ كما يحبُّ أنْ تُجتنبَ عزائمُهُ أو تؤتَى عزائمُهُ } (٨) ، و إن صام فلم يضره الصوم كان خيراً له ، لقوله تعالى: { وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ }. (٣)
مبطلات الصوم و مفسداته
✍️ و مبطلات الصوم هي الوقوع عمداً في الأفعال التي كلّف المولى ﷻ المؤمنين بالصوم و الامتناع عنها.
١- دخول مغذيات للجسم أو الجوف عمداً عن طريق الأكل والشرب عمداً ، أمّا من أكل أو شرب ناسياً فليس عليه شيء و صيامه صحيح ، لقول النبي ﷺ: [ مَن أكَلَ ناسِيًا وهو صائِمٌ، فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ؛ فإنَّما أطْعَمَهُ اللَّهُ وسَقاهُ ] . (٩)
✍️ و كذلك عن طريق القئ عمداً ، فقد روي عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: " منِ استقاءَ وَهوَ صائمٌ فعَليهِ القَضاءُ ومن ذَرعَهُ القيءُ فلَيسَ عليهِ القضاءُ ". (١٠)
✍️ و تعمد القيء يفسد الصوم لما فيه من إرجاع الطعام و الشراب إلى المعدة و الجوف ، و مثله في ذلك الحقن الشرجي ، و أمّا الحقن العضلي و الوريدي فجمهور الفقهاء على أنه لا يفطر ، و الله أعلم.
✍️ و أمّا الحقن الوريدي للتغذية ففيه خلاف فقهي ، و الأرجح أنها تفطر ، لذلك على المسلم الاحتياط بتجنب ذلك أثناء فترة صيامه ، و تأخير هذا إلى الليل مثلاً .
✍️ و لما كانت العبرة بنزول المادة المغذية إلى الجوف صنّف الفقهاء التدخين ضمن المفطرات و مبطلات الصوم ، و كذلك استنشاق الدخان عمداً مثل أبخرة البخور.
✍️ أما العطر و الطيب فيختلف عن ذلك و على الصائم الانتباه فلا يتعمد استنشاقه فيدخل منه شيئاً إلى جوفه .
✍️و هذا ينطبق أيضاً على الكحل و قطرة العين و الأذن و الأنف و السواك و استخدام معجون الاسنان ، لا بأس به على شرط ألا يدخل منه شيء للجوف.
٢- الجماع و إنزال المني عمداً ؛ و أما الجماع حتى لو بغير إنزال فعليه القضاء و الكفارة ، و أمّا إنزال المني عمداً سواء بالتقبيل أو المداعبة أو الإستمناء ، فأما الاستمناء فعليه القضاء .
✍️ فإن كان الجماع برغبة الزوجين ، فكفارة ذلك عن الواحد ؛ عتق رقبة مؤمنة أو صيام شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكيناً ، لكل مسكين نصف صاع من قوت البلد، مقداره واحد ونصف كجم تقريبًا ، و أما إن أكرهت الزوجة و لم تستطع دفعه فالفضاء و الكفارة على الزوج وحده و ليس عليها قضاء و لا كفارة. (١١)
✍️ لذلك يجب على المؤمن أن يغض بصره عمّا قد يثير شهوته ، و يجب ألا يسترسل الصائم في مداعبة أهله حتى لا يقع فيما يبطل صومه و يفسده ، حتى أن بعض الفقهاء قالوا بحرمة التقبيل على من يحرك ذلك شهوته.
✍️ و أما نزول المني بغير تعمد ، كما في الاحتلام ، فإنه لا يفسد الصوم و ليس على صاحبه قضاء و لا كفارة و الله أعلم.
٢- خروج الدم من الجسم ؛ لما في ذلك من إضعاف و وهن للبدن ، كما في خروج الدم أثناء الحيض و النفاس ، فإنهما يبطلان الصوم ، فطالما وقع ذلك أثناء فترة الصيام توجب القضاء.
✍️ و أما الحجامة فكانت بادئ الأمر جائزة و لا تبطل الصوم و قد روي عن رسول الله ﷺ أنه كان قد احتجم و هو صائم (١٢) ، غير أنّ هذا نسخ بعد ذلك ، لقول النبي ﷺ: [ أفطَرَ الحاجِمُ و المَحجومُ ] (١٣) ، و على ذلك فإن الحجامة تفطر الصائم.
✍️ أما خروج الدم و إسالته بسبب جرح أو مشابه فلا يبطل الصوم و لا يفسده على الأرجح ، إلا إن كان الصيام سيؤذي المصاب ، فله رخصة في الإفطار و عليه القضاء فقط.
نصائح للصائم
• تذكر عقد النية بالصيام قبل الفجر .
• قال رسول الله ﷺ: " تَسَحَّرُوا؛ فإنَّ في السَّحُورِ بَرَكَةً " (١٤) ، و عليك تجنب في وجبة السحور ما يدر البول كالكافيين و يتسبب في العطش كالحلوى ، و عليك بالأطعمة التي تمد البدن بالطاقة كالتمر.
• اجعل لنفسك ورد من القرآن و يا حبذا لو اجتهدت في أن تختمه و لو مرة خلال الشهر ، و الأمر غاية في السهولة ، فلو أنك خصصت خمس إلى عشر دقائق عقب كل صلاة ؛ تقرأ فيهم أربعة أو خمسة أوجه من المصحف ، ستختم إن شاء الله في رمضان.
• المواظبة على اذكار الصباح و المساء و الدعاء بالوسيلة للنبي ﷺ بعد كل آذان ، و اغتنم وقت الشروق إلى الضحى.
• تجنب مخالطة رفاق السوء في حياتك عامة و في رمضان خاصة ، و احفظ صومك.
• لا تأكل حد الامتلاء ، حتى لا تتثاقل عن الصلاة و العبادة ، و ابدأ فطورك بتمرة أو ماء ، فهذا من هدي النبي ﷺ.
• ارتقب ليلة القدر و تحراها ، فإن عبادة فيها خير من ألف شهر ، أي أكثر مما قد تحيا.
✍️ و ختاماً أنصح لنفسي و لكم بإيجاز ، إنّ رمضان قصير فلا يحتمل التقصير ، و قبوله عبور فلا يحتمل الفتور .
✍️ فكلما تكاسلت و تثاقلت تذكر قوله ﷻ: { أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ ۚ } (٣) ، فرمضان بين أحد عشر شهراً كيوسف بين أحد عشر كوكباً ، فلا تقتلوه و لا تلقوه في الجبّ و لا تبيعوه بثمن بخس ، و أكرموا مثواه ، عسى أن ينفعنا ، فنتخذه شفيعاً يوم القيامة.
✍️ وفقني الله وإياكم لما يحب و يرضى و تقبل الله منا أجمعين صالح الأعمال.
🌿 سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك و أتوب إليك 🌿
----------------------------------------------------------
📖 المصادر :-
(٢) آية ٥٥ - سورة الذاريات
(٣) آية ١٨٤ - سورة البقرة
(٤) مجموع فتاوى ابن باز (١٦٧/١٥)
(٥) آية ١٨٧ - سورة البقرة
(٦) صحيح البخاري (١٩٠٤) ، صحيح مسلم (١١٥١)
(٧) صحيح البخاري (٣٢٥٧)
(٨) صححه ابن عبدالبر في التمهيد (٢٤/٦٧) و أخرجه ابن حبان في صحيحه (٣٥٤) و كذلك صححه الألباني في صحيح الترغيب (١٠٦٠) و ابن باز في مجموع الفتاوى (٢٣٨/١٥)
(٩) صحيح البخاري (٦٦٦٩) ، صحيح مسلم (١١٥٥).
(١٠) شرح مسند الشافعي لابن الاثير (١٨٧/٣)
(١١) مجموع فتاوى ابن باز (٣٠٧/١٥)
(١٢) صحيح البخاري (٥٦٩٤)
(١٣) صححه ابن تيمية في حقيقة الصيام (ص ٧٣) ، و الألباني في صحيح أبي داود (٢٣٦٩)
(١٤) صحيح البخاري (١٩٢٣) ، صحيح مسلم (١٠٩٥)
.jpeg)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق